طرح المنتدى الاقتصادي العربي البرازيلي 2026 مجموعة من المبادرات العملية لتعزيز التعاون الاقتصادي بين العالم العربي والبرازيل، من خلال توظيف الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والتقنيات المتقدمة، بما يسهم في تجاوز تحديات البعد الجغرافي والحواجز اللغوية، ويدعم الانتقال من أنماط التجارة التقليدية إلى شراكات اقتصادية أكثر تكاملاً.
وجاء ذلك خلال أعمال الدورة الخامسة من المنتدى الاقتصادي العربي البرازيلي، الذي جمع نخبة من قادة الأعمال وخبراء التكنولوجيا والاقتصاديين وممثلي الجهات المعنية من البرازيل و22 دولة عربية، لمناقشة آفاق تطوير التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين الجانبين.
مبادرات رقمية لتعزيز التجارة والاستثمار
وشارك نضال أبوزكي، مدير عام مجموعة أورينت بلانيت، في جلسة نقاشية بعنوان «الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والجيل الجديد من المستهلكين»، استعرض خلالها مجموعة من المقترحات الهادفة إلى تطوير العلاقات الاقتصادية العربية البرازيلية، وتعزيز استفادة الشركات من البيانات والتقنيات الحديثة في الوصول إلى الأسواق ورفع قدرتها التنافسية.
واقترح أبوزكي إنشاء «جسر تجاري رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي»، من خلال منصة متكاملة توفر للشركات بيانات فورية حول مستويات الطلب واتجاهات الأسواق، إلى جانب المساهمة في تسريع إجراءات التخليص الجمركي، بما يساعد الشركات على الانتقال من التعامل مع المتغيرات بعد وقوعها إلى التخطيط الاستباقي واتخاذ القرارات القائمة على البيانات.
كما دعا إلى تطوير منصة رقمية تجمع الشركات ومجتمعات الأعمال في البرازيل والعالم العربي عبر لقاءات افتراضية دورية على مدار العام، بما يوسع قاعدة المستفيدين من حركة التجارة والاستثمار، ويفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب الشركات الكبرى لاستكشاف فرص وأسواق جديدة.
منصة متعددة اللغات لتجاوز الحواجز التجارية
وفي إطار مواجهة تحديات اللغة التي تعوق بعض التعاملات التجارية بين الجانبين، اقترح أبوزكي إنشاء منصة رقمية مباشرة لإبرام الصفقات باللغات العربية والإنجليزية والبرتغالية.
وتهدف المنصة المقترحة إلى تمكين الشركات من البحث عن شركاء تجاريين محتملين، والتحقق من بياناتهم ووثائق اعتمادهم، وإعداد العقود، بما يحد من تأثير الاختلافات اللغوية ويسهل إتمام التعاملات التجارية والاستثمارية بين الشركات العربية والبرازيلية.
كما طرح مقترحاً لتنظيم منتديات أعمال افتراضية متخصصة بحسب القطاعات على مدار العام، تجمع الشركات والمستثمرين من الجانبين، وتتيح للشركات والمصنعين في المناطق البعيدة المشاركة في الفعاليات الدولية والتواصل مع شركاء محتملين دون الحاجة إلى السفر.
تعاون في التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي
وفي مجال التكنولوجيا المالية، اقترح أبوزكي إقامة شراكة تربط نظام المدفوعات البرازيلي «Pix» بأنظمة الدفع في الدول العربية، بهدف تسهيل المعاملات المالية بين الجانبين، وجعل عمليات الدفع عبر الحدود أكثر سرعة وسهولة، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة.
كما دعا إلى إطلاق مسرّعة أعمال مشتركة تربط منظومات الشركات الناشئة في البرازيل ودول الخليج، في ظل وجود أكثر من 20 ألف شركة ناشئة نشطة في البرازيل.
وتستهدف المسرّعة المقترحة دعم رواد الأعمال والمشروعات التي يقودها الطلاب والشركات في مراحلها المبكرة، من خلال توفير التمويل والإرشاد وتسهيل الوصول إلى الأسواق العربية والبرازيلية منذ المراحل الأولى لتأسيس الشركات.
برنامج لتبادل المواهب العربية والبرازيلية
وأكد أبوزكي أهمية الاستثمار في رأس المال البشري باعتباره أحد العناصر الأساسية لبناء علاقات اقتصادية مستدامة، مقترحاً إطلاق برنامج عابر للحدود لتبادل المواهب بين العالم العربي والبرازيل.
ويتيح البرنامج للمهنيين الشباب التعاون عن بُعد في مشروعات بمجالات التكنولوجيا المالية وصناعة المحتوى والألعاب وغيرها من القطاعات الرقمية، بما يسهم في إعداد كوادر تمتلك فهماً أعمق للأسواق العربية والبرازيلية، ويفتح مجالات جديدة للتعاون الاقتصادي تتجاوز التجارة والعلاقات الحكومية.
وقال أبوزكي إن التكنولوجيا تمثل أحد أكثر الأدوات فاعلية في تجاوز تحدي البعد الجغرافي، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والتكنولوجيا المالية يمكن أن تسهم في نقل العلاقات العربية البرازيلية من التجارة التقليدية إلى شراكة أكثر ترابطاً وابتكاراً واستباقية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير البنية التحتية الرقمية وبناء شبكات للمواهب ودعم منظومات الابتكار، بما يعزز قدرة الجانبين على صياغة جيل جديد من التعاون الاقتصادي.
التجارة العربية البرازيلية تسجل مستويات قياسية
وتستند العلاقات الاقتصادية بين العالم العربي والبرازيل إلى روابط تاريخية تمتد لأكثر من قرن، عززتها موجات الهجرة والتواصل بين المجتمعات، فيما بدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الجانبين خلال سبعينيات القرن الماضي.
وشهدت التجارة الثنائية نمواً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، حيث سجلت مستوى قياسياً بلغ 33.87 مليار دولار أمريكي عام 2024، من بينها نحو 23.68 مليار دولار قيمة الصادرات البرازيلية إلى الدول العربية، ما جعل الدول العربية ثالث أكبر وجهة للصادرات البرازيلية.
ورغم قوة العلاقات التجارية، لا يزال التعاون الاقتصادي يتركز بدرجة كبيرة في قطاعات تقليدية، من بينها الأغذية والنفط والغاز، في الوقت الذي تبرز فيه فرص كبيرة لتوسيع التعاون في مجالات البنية التحتية الرقمية والتكنولوجيا الناشئة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية.
فرص جديدة أمام الشركات الناشئة
ويمثل امتلاك البرازيل منظومة واسعة ومتطورة من الشركات الناشئة والابتكار في أمريكا الجنوبية فرصة لتعزيز حضور الشركات البرازيلية، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة والناشئة، في الأسواق العربية.
وتتزامن هذه الإمكانات مع توسع دول الخليج في الاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب النمو المتسارع للتجارة الإلكترونية في العالم العربي، مدفوعاً بقاعدة سكانية شابة وارتفاع مستويات الاتصال الرقمي.
ويرى المشاركون أن التقارب بين القدرات التكنولوجية البرازيلية والاستثمارات العربية في الاقتصاد الرقمي يمكن أن يشكل قاعدة لإطلاق شراكات جديدة في التكنولوجيا والابتكار، وتنويع مجالات التعاون الاقتصادي بعيداً عن القطاعات التقليدية.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل التجارة والتسويق
وناقشت جلسة «الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والجيل الجديد من المستهلكين» التحولات التي يشهدها قطاعا التسويق والتجارة الإلكترونية، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة التجارية وتجارب المستهلكين.
وأكد أبوزكي أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة كبيرة على أتمتة المهام الروتينية، لكنه لا يلغي أهمية التقدير البشري، موضحاً أن مستقبل التسويق يعتمد بصورة متزايدة على التكامل بين الإبداع البشري والتفكير الاستراتيجي والاستخدام الفاعل لأدوات الذكاء الاصطناعي.
كما أشار إلى أن التجارة الإلكترونية تتجه تدريجياً نحو نموذج «التسوق الذكي»، مع تزايد قدرة التقنيات الحديثة على تحليل نوايا المستهلكين وتفضيلاتهم وأنماط قراراتهم الشرائية، وتقديم تجارب أكثر تخصيصاً واستجابة لاحتياجاتهم.
خارطة طريق لشراكة اقتصادية جديدة
واختتمت المناقشات بالتأكيد على أهمية البناء على العلاقات الاقتصادية الراسخة بين العالم العربي والبرازيل، وتطويرها إلى شراكة أوسع تعتمد على التكنولوجيا والابتكار والمواهب والبنية التحتية الرقمية.
ويعكس طرح المبادرات الجديدة توجهاً نحو وضع خرائط طريق عملية للتجارة والاستثمار والتعاون المشترك، بما يعزز مرونة العلاقات العربية البرازيلية، ويفتح المجال أمام الشركات والمستثمرين للاستفادة من الفرص التي يوفرها الاقتصاد الرقمي واقتصاد الذكاء الاصطناعي.
ومن شأن هذه المبادرات، حال تطويرها وتنفيذها، دعم التواصل المباشر بين مجتمعات الأعمال، وتسهيل التجارة والاستثمار، وتعزيز حضور الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة، بما يمهد لمرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية بين العالم العربي والبرازيل.




