في مشهد يجسد عمق العلاقات التاريخية بين القاهرة وباريس، ومؤكداً أن السياسة والسياحة “وجهان لعملة واحدة”، حملت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة إلى مصر رسائل إيجابية تجاوزت حدود البروتوكول الرسمي، لتتحول إلى حملة ترويجية عالمية تعزز من مكانة مصر كوجهة آمنة وجاذبة للاستثمارات والوفود السياحية من كافة أنحاء العالم.
لم تكن زيارة ماكرون مجرد لقاءات قمة، بل كانت رسالة سلام وسط أمواج المنطقة المتلاطمة
وبمثابة إعلان للعالم أجمع عن استقرار الدولة المصرية ونأيها بنفسها عن الصراعات الإقليمية؛ حيث أكدت الزيارة وتوقيتها أن مصر تمثل واحة أمان بعيدة عن التوترات الجيوسياسية بين (إيران وأمريكا وإسرائيل).
وقد تحرك الرئيس الفرنسي بحرية تامة في مدينة الإسكندرية، ممارساً رياضة الجري وسط حراسة بسيطة، لبعث برسالة صريحة للمجتمع الدولي بأن مصر ليست طرفاً في تلك النزاعات، وأن أمنها الداخلي صلب لا يتأثر بالمتغيرات المحيطة، مما أعطى الضوء الأخضر ليس فقط للسياح الفرنسيين، بل لجميع الدول المصدرة للسياحة عالمياً للتوجه نحو المقصد المصري بكل طمأنينة.
وفي هذا السياق، يستعيد التاريخ نفسه من خلال ذكريات زيارة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي وزوجته إلى مدينة الأقصر إبان تولي اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج محافظاً لها. آنذاك، أحدثت تلك الزيارة صدىً إعلامياً واسعاً بعدما تصدرت صورة ساركوزي وزوجته وهما يتناولان المياه من نهر النيل غلاف مجلة “Paris Match” الشهيرة.
تلك الصورة تحولت وقتها إلى أقوى دعاية سياحية غير مباشرة، أسهمت في ارتفاع معدلات السياحة الفرنسية والأوروبية للصعيد بصورة كبيرة، وهو ذات التأثير المرتقب لزيارة ماكرون الحالية التي “فازت” بها مدينة الإسكندرية لتتصدر المشهد السياحي العالمي من جديد، مؤكدة أن زيارات الرؤساء الفرنسيين تمثل دائماً “نقطة تحول” في حركة السياحة الوافدة.
ومن أبرز الدلالات السياسية للزيارة:
١. الحياد الإستراتيجي: تأكيد خروج مصر من دائرة التوترات الإقليمية (الأمريكية – الإيرانية – الإسرائيلية).
٢. شهادة ثقة عالمية: جذب انتباه كافة الدول المصدرة للسياحة وليس فرنسا فقط.
٣. قوة القيادة: قدرة الدولة المصرية على تأمين وحماية كبار قادة العالم في جولات حرة وعفوية.
أبرز الدلالات والمكاسب السياحية:
١. صناعة “الصورة الذهنية”: تحرك ماكرون في الشارع يكسر الصور النمطية ويصدر للعالم صورة “مصر الآمنة المستقرة”.
٢. التسويق المجاني: الصور العفوية في الإسكندرية توفر ملايين الدولارات من تكلفة الحملات الإعلانية الرسمية.
٣. إحياء سياحة المدن: إعادة الإسكندرية بقوة كوجهة سياحية وثقافية ورياضية على خارطة المتوسط.
٤. جذب السياحة الفاخرة: تحفيز السائحين ذوي الإنفاق المرتفع المهتمين بالثقافة والفنون لزيارة مصر.
5. ولم تقتصر مكاسب هذه الزيارة على الجانب الدولي فحسب، بل تمثل قوة دفع كبرى لـ تنشيط السياحة الداخلية لمدينة الإسكندرية، بعد أن عاد ان استعادت تاج عروس البحر المتوسط الساحره مرة أخرى.
إن الاهتمام الرئاسي العالمي بالإسكندرية يعيد تسليط الضوء على جمالياتها المحدثة، ويحفز المصريين على إعادة اكتشاف مدينتهم التاريخية التي تجمّلَت لاستقبال كبار ضيوف الدولة.
إن الاستثمار السياسي لهذه الزيارة يمهد الطريق لشراكات اقتصادية واسعة، فالسائح أو المستثمر الذي يرى زعيم دولة كبرى يتحرك بعفوية في شوارع مصر، يدرك تماماً أن بوصلة الاستقرار والنمو في المنطقة تتجه نحو القاهرة.




